القرطبي

52

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدى ، كما ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدى أيضا عن طواف القدوم . ومن قال هذا قال : إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لان بعضهما ، ينوب عن بعض ، ولأنه قد روى عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا ، ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافا واحدا بقوله : " وأذن في الناس بالحج " ، وقال في سياق الآية : " وليطوفوا بالبيت العتيق " والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف . وأسند الطبري عن عمرو ابن أبي سلمة قال : سألت زهيرا عن قوله تعالى : " وليطوفوا بالبيت العتيق " فقال : هو طواف الوداع . وهذا يدل على أنه واجب ، وهو أحد قولي الشافعي ، لأنه عليه السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه ، ولا يرخص إلا في الواجب . الثالثة والعشرون - اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق ، فقال مجاهد والحسن : العتيق القديم . يقال : سيف عتيق ، وقد عتق أي قدم ، وهذا قول يعضده النظر . وفي الصحيح ( أنه أول مسجد وضع في الأرض ) . وقيل : عتيقا لان الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان ، قال معناه ابن الزبير ومجاهد . وفى الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما سمى البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار ) قال : هذا حديث حسن صحيح ( 1 ) ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له : إنما أعتقها عن كفار الجبابرة ، لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين ، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم ، كان ذلك دلالة على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا . فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء ، فقصر الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد ، ولم يتجاوزه إلى الصرف بالالجاء والاضطرار ،

--> ( 1 ) في ب وج‍ وط وك : عريب .